إسماعيل بن القاسم القالي
275
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم * إذا غاله من حادث الدهر غائله « 1 » ويخفي لكم حبّا شديدا ورهبة * وللناس أشغال وحبّك شاغله وحبّك ينسيني من الشيء في يدي * ويذهلني عن كل شيء أزاوله كريم يميت السّرّ حتى كأنه * إذا استبحثوه عن حديثك جاهله يودّ بأن يمسي سقيما لعلّها * إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويرتاح للمعروف في طلب العلا * لتحمد يوما عند ليلى شمائله فلو كنت في كبل وبحت بلوعتي * إليه لأنّت رحمة لي سلاسله [ 899 ] [ خبر في أنّ الأيام دول وتبدّل الحال ] : قال أبو علي : وحدثنا أبو بكر بن دريد - رحمه اللّه . ، قال : أخبرنا عبد الرحمن ، عن عمه ؛ قال : دفعت يوما في تلمّسي بالبادية إلى واد خلاء لا أنيس به ؛ إلا بيت معتنز بفنائه أعنز وقد ظمئت فيمّمته فسلّمت ، فإذا عجوز قد برزت كأنها نعامة راخم ، فقلت : هل من ماء ؟ فقالت : أو لبن ؟ فقلت : ما كانت بغيتي إلا الماء ، فإذا يسّر اللّه اللبن فإنّي إليه فقير ، فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظفت غسله ، ثم جاءت إلى الأعنز فتغبّرتهن حتى احتلبت قراب ملء القعب ، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته كأنها غمامة بيضاء ، ثم ناولتني إياه فشربت حتى تحبّبت ريّا ، واطمأننت فقلت : إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش والحلّة منك قريب ، فلو انضممت إلى جنابهم فأنست بهم ؟ ! فقالت : يا بن أخي ، إني لآنس بالوحشة ، وأستريح إلى الوحدة ، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي الموحش ، فأتذكّر من عهدت ، فكأني أخاطب أعيانهم ، وأتراءى أشباحهم ، وتتخيّل لي أندية رجالهم ، وملاعب ولدانهم ، ومندّى أموالهم ، واللّه يا ابن أخي ! لقد رأيت هذا الوادي بشع اللّديدين ، بأهل أدواح وقباب ، ونعم كالهضاب ، وخيل كالذّئاب ، وفتيان كالرّماح ، يبارون الرياح ، ويحمون الصّباح ، فأحال عليهم الجلاء قمّا بغرفة ، فأصبحت الآثار دارسة ، والمحالّ طامسة ، وكذلك سيرة الدهر فيمن وثق به . ثم قالت : ارم بعينك في هذا الملا المتباطن ؛ فنظرت ، فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين ، فقالت : ألا ترى تلك الأجداث ؟ قلت : نعم ! قالت : ما انطوت إلّا على أخ أو ابن أخ ، أو عم أو ابن عم ، فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض ، وأنا أترقّب ما غالهم ؛ انصرف راشدا رحمك اللّه . [ 900 ] قال أبو علي : معتنز : منفرد . والرّاخم : التي تحضن بيضها . و [ أسماء القدح ] : القعب : قدح إلى الصّغر يشبّه به الحافر ؛ قال امرؤ القيس : [ المتقارب ] لها حافر مثل قعب الوليد * ركّب فيه وظيف عجر
--> ( 1 ) هذه الأبيات لكثير عزة ؛ كما في زهر الآداب طبع المطبعة الرحمانية ( ج 4 ص 92 ) . ط